تأخر تسوية أوضاع المهاجرين الأفارقة يجرّ سياسة الهجرة إلى البرلمان

يواصل ملف الهجرة من الأفارقة المنحدرين من دول جنوب الصحراء فرض نفسه كأحد أكثر القضايا تعقيدا وحساسية في المشهد الاجتماعي والمؤسساتي بالمغرب، في ظل موقعه الجغرافي الذي جعله، خلال السنوات الأخيرة، بلد عبور واستقرار في آن واحد لآلاف المهاجرين الباحثين عن فرص أفضل أو عن معبر نحو الضفة الشمالية للمتوسط.

هذا الواقع المتحول أفرز تحديات متزايدة على مستوى التدبير القانوني والاجتماعي والاقتصادي، وأعاد إلى الواجهة أسئلة جوهرية حول قدرة السياسات العمومية على مواكبة التحولات المتسارعة التي يعرفها هذا الملف.

ويواجه المغرب، في هذا السياق، ضغطًا متناميًا على بنياته التحتية وخدماته الاجتماعية، خاصة في مجالات الصحة والتعليم والإسكان، حيث يتطلب توفير خدمات ملائمة للمهاجرين موارد مالية إضافية وقدرة استيعابية أكبر، في وقت تعاني فيه هذه القطاعات أصلًا من اختلالات بنيوية ونقص في الإمكانات.

كما يبرز تحدي الإدماج الاقتصادي كواحد من أعقد الإشكالات المطروحة، إذ رغم الجهود المبذولة لتسوية الوضعية القانونية لعدد مهم من المهاجرين خلال السنوات الماضية، فإن ولوجهم إلى سوق الشغل يظل محدودا، بفعل ارتفاع معدلات البطالة وضعف فرص التشغيل، ما يعيق تحقيق الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي لهذه الفئة.

وفي خضم هذه الإكراهات، عاد ملف تسوية الوضعية القانونية للمهاجرين إلى الواجهة البرلمانية، بعدما دخلت المعارضة على خط النقاش، مطالبة بتوضيحات حكومية بشأن ما وصفته بتأخر ملحوظ في معالجة ملفات المهاجرين المنحدرين من دول جنوب الصحراء وجنوب إفريقيا.

وفي هذا الإطار، وجهت النائبة البرلمانية مريم وحساة، عضو فريق التقدم والاشتراكية بمجلس النواب، سؤالا كتابيا إلى وزير الإدماج الاقتصادي والمقاولة الصغرى والتشغيل والكفاءات، دقت من خلاله ناقوس الخطر بشأن تداعيات هذا التأخر على المستويين الاجتماعي والمؤسساتي.

وأبرزت النائبة البرلمانية أن مساطر دراسة والبت في ملفات تسوية الوضعية القانونية تعرف بطئًا واضحًا، سواء من حيث الآجال أو من حيث وتيرة المعالجة، ما أدى إلى تزايد أعداد المهاجرين غير المسوّاة وضعيتهم القانونية.

واعتبرت أن هذا الوضع يفرز مظاهر اكتظاظ في بعض المجالات الحضرية، ويؤدي إلى غياب التأطير القانوني والإدماج المؤسساتي، الأمر الذي يحدّ من إمكانية إخضاع هذه الفئة للمواكبة والرقابة الاجتماعية والإدارية الضرورية.

وفي السياق ذاته، شددت على أن استمرار هذا التأخر يطرح تساؤلات حقيقية حول نجاعة الآليات المعتمدة لتدبير هذا الملف، ومدى انسجام الممارسة اليومية مع التزامات المغرب الحقوقية والإنسانية.

وأكدت أن المملكة راكمت، خلال السنوات الماضية، مكتسبات مهمة في مجال حقوق الإنسان، واعتمدت سياسة هجرة إنسانية ومتقدمة حظيت بإشادة دولية، غير أن التحديات الراهنة تفرض مراجعة آليات التنفيذ وتسريع وتيرة المعالجة لتفادي أي انعكاسات سلبية.

وساءلت النائبة البرلمانية الوزير المعني عن الأسباب الحقيقية الكامنة وراء التأخر المسجل في معالجة ملفات المهاجرين المعنيين بتسوية وضعيتهم القانونية، وعن الإجراءات الاستعجالية التي تعتزم الوزارة اتخاذها لتسريع دراسة هذه الملفات والبت فيها داخل آجال معقولة.

كما طرحت تساؤلات حول مستوى التنسيق القائم بين وزارة الإدماج الاقتصادي وباقي القطاعات الحكومية المعنية، من أجل ضمان إدماج فعلي للمهاجرين الذين تمت تسوية وضعيتهم، واحترام مقاربة حقوق الإنسان في تدبير هذا الملف.

ولم تغفل النائبة البرلمانية الإشارة إلى الانعكاسات المحتملة لاستمرار هذا الوضع، سواء على مستوى الأمن الاجتماعي أو على صورة المغرب كبلد رائد في مجال سياسة الهجرة واللجوء، معتبرة أن أي اختلال في هذا المجال قد يقوض الجهود المبذولة ويؤثر على التوازنات الاجتماعية في عدد من المدن التي تشهد تركزًا ملحوظًا للمهاجرين.

ويأتي هذا الجدل في وقت تؤكد فيه الحكومة التزامها بمواصلة تنزيل السياسة الوطنية للهجرة واللجوء، التي أطلقت منذ سنوات، والتي ترتكز على مقاربة إنسانية وحقوقية شمولية، تروم إدماج المهاجرين في النسيج الاجتماعي والاقتصادي، مع احترام القوانين الجاري بها العمل.

غير أن تعقيد الظاهرة، وتداخل أبعادها الاجتماعية والأمنية والاقتصادية، يجعل من هذا الملف ورشا مفتوحا على تحديات متعددة، تتطلب تنسيقًا محكمًا بين مختلف المتدخلين، وتسريعا للإجراءات، وتعبئة موارد إضافية قادرة على مواكبة التحولات المتسارعة التي يعرفها واقع الهجرة بالمغرب.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.